هكذا هي أماني كل زوجين في معاناتهم في تربية الأبناء يتفانون ويبذلون غير منتظرين سوى أن تقر أعينهم في أبنائهم ليكونوا ( قرة أعين ) . وكما ورد عن الإمامُ عليٌّ عليه السلام: [ ما سَألتُ ربِّي أولادا نُضْرَ الوَجهِ، ولاسَألتُهُ وَلَدا حسَنَ القامَةِ ، ولكنْ سَألتُ ربِّي أولادا مُطِيعِينَ للّه ِ وَجِلِينَ مِنهُ ؛ حتّى إذا نَظَرتُ إلَيهِ وهُو مُطيعٌ للّه ِ قَرَّت عَيني ] . ومحصل أثرهم سيكون حسب موقعهم المعرفي والعملي ونتاجهم ودائرة تأثيرهم .
ولكن هل ساقت الصدفة كبار الأعلام في المجالات العلمية المختلفة ومنها الفقاهة أن يكونوا سادةً يتسنمون زمام المرجعية الدينية ليجدوا أنفسهم صدفةً وسط هذا الشرف الكبير ؟!
بكل تأكيد لا ، فلا يمكن تصوّر الصدفة في الأمر ، فهناك مقدمات كثيرة وكبيرة أوصلتهم لهذا المقام العظيم ليس العلم وحده ما تعكّزوا عليه لبلوغهم ذلك ، فالعلم والذكاء والنباهة ليست علة تامة في الحصول على الرتب الإلهية ، ولا العلاقات لها دور وصوله للمقام لأنه ليس مما تناله الأيدي والسماء دونك لا تبلغها أي يدٍ لأن الأمور الإلهية أعظم من القدرات البشرية .
فما بلوغ العلماء لهذا المقام إلا بتقوى عالية ومجاهدة للنفس وقوة توكل وإيمان ويقين ، ولكن جزء من ذلك أمر قد يخفى على بعض الناس وهو الاستقرار الأسري والتماسك الزوجي.
فالبيئة الأسرية لها أكبر الأثر في التوجّه سواء ً في البعد الروحي أو المعرفي أو العلمي أو العملي أو الاجتماعي أو النفسي ، فلا يمكن للإنسان أن يبدع وسط بيئة مشحونة بالتوتر والنزاعات والجدل فهي أداوت هدم واضعاف لقدرات الإنسان وإمكانياته ومواهبه مهما بلغت .
إن لاختيار الزوج دخالة في نجاح الإنسان رجلاً كان أو امرأة ، وهذا ما نرى الشريعة تؤكد عليه من أهمية الاختيار وعدم التساهل فيه بأي عنوان من العناوين ( من تزوج فقد أحرز نصف دينه ) ، ولهذا نجد أن الأكابر من العلماء الذين لهم موقعية مرموقة علمياً وحضارياً كانت إلى جانبهم زوجات نلن شرف الزوجية والعون والمحبة والتقدير .
لا غرابة أن نجد المرجع المعظّم السيد السيستاني دامت بركاته بموقعيته ورمزيته وتأثيره متصدّراً هذا المقام الشامخ لما له من ميزات وملكات حاز بها عنوانه الكبير حفظه الله وأدام بركاته وسائر الأعلام والمراجع العظام ، ولكن خلف هذا السيد وإلى جانبه ومع قلبه الكبير كان قلب يحمل معه هموم الأمة وآمالها العريضة السيدة العلوية كريمة آية الله السيد ميرزا حسن الشيرازي، أحد أحفاد المرجع السيد محمد حسن الشيرازي المعروف بلقب "المجدد" ،فكان ثمرة هذا الزواج الكثير من البركات الظاهرة وغير الخفية لكل ناظر دون تأمل .
إن زوجات العلماء يشاركن بشكل كبير فيما يعانيه العالم من أجل العلم درساً وتدريساً وحفظاً وتبليغاً ، ومن أجل الأمة وتطلعاتها الكبرى كيف وميراثها الأعظم هو الذب عن حياض الدين وساحة الولاية لكي لا يشوبها أي شائبة تعكّر صفوها ، كيف وكل أبناء الأمة أبناؤه وهمومهم همومه في المشرق والمغرب ، فهو حامل بيدٍ سراج العلم وبيدٍ أخرى سراج البصيرة يحاول أن يوصله لكل المؤمنين بقيم السماء .
إن الفقد المر الذي أوجع قلب سيدنا السيستاني وقلوب أبنائه والمؤمنين جميعاً ألفت الناس إلى جلالة دور زوجات العلماء وعظم تضحياتهم في سبيل الدين والمؤمنين فدونك قصص هؤلاء المضحيات المساندات العظيمات كزوجة الشيخ الأعظم الأنصاري والسيد البروجردي والسيد الإمام والسيد الخوئي والعلامة الطباطبائي والسيد المرعشي النجفي والسيد السبزواري والسيد الشهيد الصدر والقائمة تشرق بأسماء لامعة كنّ خير معينات لأزواجهن ، وهذا ما يدعو إلى ضرورة تعظيم وإجلال العلماء والتسابق لمساندتهم في أدوارهم العظيمة من حفظ القيم ونشر الخير والتبصّر في الدين ، والحرص على وحدة المؤمنين وسلامة القلوب والتباعد عن ما يثير الفتنة ووهن أهل الإيمان .
وزبدة القول :
ما أحوجنا جميعاً في الأسرة إلى أن نلتفت إلى أهمية تربية الأبناء على القيم الفاضلة وتذكير البنات دوماً على أن محور الحياة الإبداعية تنتثر من بين أيديهن جمالاً وتألقاً إن عرفن قيمة أنفسهن ، وأنهن أعظم بُنات الحضارة ومشيّدات أركانها إذا علمن أن أكبر أدوارهن هو بناء الإنسان وحماية الأسرة واحاطتها بالرعاية التي لا يمكن لأي فردٍ مهما أعطي أن يسد مسد الأم والزوجة في الأسرة ، والطريق الوفاق الزوجي فيما لا معصية فيه ، ففي الخبر الشريف عن مولانا الباقر (ع) : [ لا شَفِيعَ للمرأة عند ربها أفضلُ من رضا زوجها ].
روى قيس بن سعد: أتيت الحيرة فرأيتهم يسجدون لمرزبان لهم، فقلت: رسول الله أحق أن يسجد له، قال: فأتيت النبي (صلى الله عليه وآله) فقلت: إني أتيت الحيرة فرأيتهم يسجدون لمرزبان لهم، فأنت يا رسول الله أحق أن نسجد لك، قال: " أرأيت لو مررت بقبري أكنت تسجد له " ؟ قال: قلت: لا. قال: فلا تفعلوا، لو كنت آمرا أحدا أن يسجد لأحد لأمرت النساء أن يسجدن لأزواجهن لما جعل الله لهم عليهن من الحق
التبعّل شرف وزينة :
نقل السيد عادل العلوي ( رضوان الله عليه ) : كم من مرّة وضعت زوجة آية الله العظمى السيّد البروجردي (قدس سره) العشاء من أوّل الليل في غرفة زوجها ، فتأتي صباحاً وترى الأكل لا يزال على ما كان ، وكان السيّد مشغولا بالمطالعة حتّى الصباح.
قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) :« ما من متعلّم يختلف إلى باب العالم إلاّ كتب الله له بكلّ قدم عبادة سنة ».
وأن أعلى درجات البذل ( حسن التبعّل ) فلا ينبغي أن يزهد الأبوان حين يربيان بيناتهم لتجريدهم من حس الأمومة ليحل محل بناء الزوجية أمور أقل أهمية ، فالمقام الأول والأعظم للمرأة هي تشييد الأسرة وإن أصبحت موظفة فيما يلائم طبيعتها وموقعا الأمومي ، فعن الإمام الصادق (ع) : ( البَنونَ نَعيمٌ والبَناتُ حَسَناتٌ، واللّه ُ يَسألُ عَنِ النَّعيمِ ويُثيبُ علَى الحَسَناتِ ) .
إشراقة ملهمة :
نقل كتاب سيماء الصالحين القصة التالية : أنّ زوجة الشيخ مرتضى الأنصاري [طاب ثراه] طلبت منه ذات يوم شراء قطعة قماش لتغطي بها الفُرش واللحف التي توضع في جانب الغرفة نهاراً إلّا أنّ الشيخ لم يستجب لذلك لشدة احتياطه.
وعندما آذاها منظر الفرش واللحف أمام الناس قررت أن تقتصد في مصروف البيت لتشتري قطعة القماش هذه ... وفعلاً بدأت تشتري بدل 225 غراما من اللحم ( 3 سير) 187.5 غراماً (2 سير) واستطاعت بسبب ذلك طيلة فترة معينة أن توفر ثمن الغطاء الذي احتاجته، فاشترته.
وعندما علم الشيخ بذلك... قال باستياء شديد:
"يا ويلي ... لقد صرفت حتى الآن مقدراً من الأموال الشرعية بدون مبرر كنت أتصور أنّ (3 سير) 225 غراماً من اللحم هي الحد الأدنى الذي نحتاجه والآن اتّضح لي خطأ ذلك.
ثمّ أمر الشيخ الأنصاري [طاب ثراه] بإرجاع قطعة القماش وأن لا يشتروا من اللحم إلا مقدار ( 2 سير) 187.5 غراماً.
نعم رحلت زوجة هذا العالم الجليل رحمها الله رحمة الأبرار ورحلت غيرها من زوجات العظماء ولكن على منهاجها المشرق الذي هو منهاج أهل البيت (ع) الكثير من الصالحات المساندات لأزواجهن والمربيات لأبنائهن على القيم النبيلة التي ضحى لبقائها شامخة أهل بيت العصمة (ع) وما زالت هؤلاء النسوة المضحيات في مسيرة الخير والصلاح والوعي والبصيرة وخدمة الإنسانية ترفدها بكل جميل وتعليها بكل محبة ونقاء وطهر .
فسلام على كل زوجة صالحة وأم مربية تستحق التقدير والاعتزاز ما أشرقت شمس وأضاء قمر ، والفاتحة لأرواح المؤمنين والمؤمنات .
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق