البحوث

  • المجتمع

الاثنين، 2 فبراير 2026

ألم بحجم السيد الناصر

بسم الله الرحمن الرحيم 

قال تعالى : 
( *من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا اللّٰه عليه فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلا* ). 

بقلوب تملؤها اللوعة والأسى فجع المؤمنون بوفاة العالم الجليل والرمز الكبير سماحة العلامة الحجة السيد علي السيد ناصر السلمان .

إن فقداً بحجم السيد الناصر رضوان الله عليه يجعل الصمت مطبقاً حتى ليحار المرء ماذا يقول في حضرة الفقد ووحشة الفراق فبين عين تدمع وقلب متوجع وفكر حائر تمضي الأيام والعيون شاخصة ناحية المولى المنتظر أرواحنا فداه لأنه المعزى وبدعاءه تسد الثلمة ، فمثل هذا فقد لا يعوّض وقامة شامخة نادرة التكرار ، وقف رضوان الله عليه جبلاً أشمّاً يظلل على المؤمنين وعياً ورعاية ، وبذلاً وتربية ، فاتسعت معها آفاق المعرفة وتعمّقت حذورها بسقيه النقي وقلبه الدافئ الذي جمع بين حنو وصرامة الأبوّة العاطفة . 
▫️إننا أمام قامة عظيمة جمعت بين مجد الأب الفقيه الأكبر في الأحساء ومجد الأسرة الشريفة ومجد النسب الهاشمي العريق ونقاء التاريخ والقامات المحورية ، فكانت النتيجة عالم أصبح الرمز الكبير الذي لا يتعداه ناظر .
فقد المؤمنون بقفد السيد الجليل الناصر قطباً دينياً واجتماعياً وروحياً جليلاً ، الذي ظل باسقاً مثمراً لأمته وبلده ومجتمعه الإيماني ، فقد كان القلب النابض الذي لا توقفه العواصف ولا تهزه الشدائد بل الحامل للواء الخير والزارع له في كل مكان وزمان ومشاريعه الممتدة شاهدة على قلبه الفيّاض وروحه المعطاءة .

▫️لن يكون اسم آية الله السيد علي الناصر مجرد اسم وذكرى بل منهج تترسّمه الأجيال وتعتز به كونه استطاع أن ينجز لأمته ومجتمعه الولائي بما آتاه الله من شخصية قيادية ومقام علمي وإرث أسري إيماني ما عجز عنه غيره فهنيئاً له ، وإنها لحسرة ولوعة على فقده رضوان الله عليه ، فرحيله يمثل خسارة كبيرة للأوساط الحوزوية والمجتمعية حيث أنه نتاج الأكابر درس في النجف الاشرف وتخرج من كلية الفقه وحضر أبحاث الخارج عند المراجع العظام السيد محسن الحكيم والسيد الخوئي والسيد محمد باقر الصدر رضوان الله تعالى عليهم .

 *1- رعايته العلمية :* 

إن دوره الريادي التأسيسي يعجز من جاء بعده لما له من شخصية علمية وروحية عظيمة .

حيث كانت الحوزة عند العامة صرح عظيم ولكنهم لا يعلمون ما تكتنزه من علوم وعطاءات فحوّل السيد الجليل الناصر الحوزة إلى كعبة حاضرة تطوف بها القلوب ويرى المؤمنون نشاطها وفاعليتها من خلال التنظيم الممنهج والبرامج الفاعلة فأضحت الحوزة تحت رعايته إلى مشروع كبير ولكنه قريب من هموم المؤمنين ويرون بركاتها بنهضة متقنة أخرجت وما زالت الفضلاء والعلماء والخطباء . 

 *2- شمولية العطاء :* 

فقد هذا العالم الكبير ليس فقداً عابراً بل شخصية محورية عظيمة لا تعرف للجعرافيا حدود بل ترى أن سقفها سماء الفضيلة وأرضها حب الخير ومسيرتها التعاون على البر والتقوى ، حتى نشأت تحت كنفه أجيالاً من المحبين لأهل البيت (ع) ترى فيه الرمز الأكبر لشيعة أهل البيت (ع) في الخليج ، لهذا ثلمة فقده لا يسده إلا عالم عظيم بمقامه . 

فما كان له هم سوى أن يجّذر البنيان الشامخ للإسلام والولاية لأهل البيت (ع) بما أوتي من قوة قولاً وعملاً ، فهو الذي آثر أن يقيم في حاضرة الدمام وما يكتنفها من حياة التجارة والحركة وتجاذباتها على أن يقيم هانئاً في الحوزة العلمية في أحساء الخير ، بل توطّن الدمام ليتحوّل بوعيه وأبوّته وحركته للرمز الأبرز والشخصية المحورية التي تأسس للمشاريع الدينية من حوزة ومساجد وقافلة نموذجية للحج ومراكز الخير والخدمة الاجتماعية الممتدة ، وراعياً ومعّززاً للمشاريع القائمة لا يعرف طريقاً إلا عزة الإيمان وخدمة أهله. 
فما مركز السيد علي السلمان للأورام إلا شاهد على هذا العطاء الكبير وغيرها من المراكز الخدماتية التي حققت للمؤمنين راحة وبهجة بوجوده وعطاءه  الكريم . 


 *3- جلالة وقرب :* 

يؤمن العلامة الراحل رضوان الله عليه أن العالم لابد أن يكون قريباً من الناس ليكون قادراً على التأثير وحفظ القيم في نفوسهم وإلهامهم للتي هي أحسن حيث يقول : ( لابد للعالم أن يكون منفتحًا ومطلعًا ) . فهو مع علو مقامه كان لا يتأخر عن المشارك في المناسبات الاجتماعية ويعزّي ويهني ويحضر ليجذّر العلاقة بمجتمعه المحلي في الدمام والمدن الأخرى كالخبر والثقبة والواحة وبلده الأم الأحساء والقطيف ، فهو لا يعرف السكون في عطاءه وحركته ، فهو بحق عالم عامل مع مقامه الكبير كان قريباً من النفوس ومحبوباً عند الناس .
هاتفه وجواله مفتوح لخدمة المؤمنين كما قلبه ومجلسه فكأن خدمة المؤمنين هي بهجة قلبه وسرور فؤاده ، يتنقّل بين الدمام والخبر والأحساء والظهران بين أهالي الأحساء المقيمين في هذه المدن ناثراً بينهم أريج المعرفة الدينية ومؤسساً للوعي الهادئ الذي يأبى إلا أن يكون هويّة راسخة في قلوب المحبين لأهل البيت (ع) حيث كان الأب الشفيق لهم والمبادر لإعلاء شأنهم بالكلمة والموقف والدعم والاحتواء ، وما كان يكل أو يمل من العطاء فقد كان سيد العطاء رضوان الله عليه ، لم يكن منزوياً لفئة أو متقولباً لجماعة وإن كان بين أهل بلده الأم الأحساء بل كان أباً لكل الموالين في المنطقة بأحسائها وقطيفها وبحرينها وخليجها ومسجده ومجلسه وعلاقاته ومشاركاته خير شاهد ، وهذه الروح الأبوية الواعية والرسالية اقتبسها من أستاذه السيد الشهيد الصدر رضوان الله عليه درساً وثقافة كما عبّر عن نفسه ( وأنا شخصياً أعتبر نفسي من إطار ثقافة السيد الصدر) وهو يرى نفسه من العلماء المنفتيحن على الساحة الاجتماعية والمعرفية كما يقول رضوان الله عليه . 


 *4- مشاريع محورية :* 

شهدناه كما شهده الكثير لا يدع مجالاً إلا اغتنمه ولا فرصة إلا وبادر لها فمساجد ومجالس ومغاسل الموتى وصروح طبية تشهد أنه كان يحمل هم تكريس كل الإمكانات لخدمة المؤمنين . 

إن مثل هذه الشخصية لحري أن يسجّل اسمه في صفحات القلوب لإخلاصه وتواضعه وعطاءه الكبير فرضوان الله تعالى عليه وحشره مع سادته الطاهرين . 

ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.

أقل أهل العلم حسام آل سلاط - القطيف

الأربعاء، 5 نوفمبر 2025

الزهراء (ع) في علاقتها المعرفية والتراحمية


بسم الله الرحمن الرحيم

الزهراء (ع) في علاقتها المعرفية والتراحمية  


رسول الله (ص)فاطمة بضعة مني، من آذاها فقد آذاني، ومن آذاني فقد آذى الله"


- مقدمة استلهامية : 

 الكامل مطلقاً هو الذي أفاض الكمال على كافّة مخلوقاته وهو الله الوهّاب الحكيم، وشاء في حكمته أن يجعل أكملهم جميعاً حججه على عباده من رسل وأنبياء وأوصياء (عليهم السلام) ليقوموا بدورهم في دعوة الأمم إلى تكاملهم، كما قال رسول الله (ص) في حديث له: « وما بعث الله نبيّاً ولا رسولاً حتّى يستكمل العقل ويكون عقله أفضل من عقول جميع أمّته  .

أمّا أفضليّة الزهراء (عليها السلام) فقد وردت في روايات كثيرة عن النبيّ (ص) وعن سائر الحجج (سلام الله عليهم) في كتب الخاصّة والعامّة ما يثبت انحصار أفضليّة مريم (عليها السلام) بنساء أهل زمانها وأيضا ما ورد من تفضيل للزهراء (عليها السلام) على كلّ نساء العالمين منها:

بعض الأحاديث الواردة عن النبيّ (ص) أنّه قال: «خير نسائها مريم، وخير نسائها خديجة»، ومعناه: أنّ كل واحدة منهما خير نساء الأرض في زمانها وعصرها، كما صرّح النوويّ في [شرح صحيح مسلم ج15 ص198]، والعينيّ في [عمدة القاري ج16 ص24]، وابن حجر العسقلانيّ في [فتح الباري ج6 ص339]، بل قال الأخير في [ج7 ص101]: « جزم كثير من الشراح أنّ المراد نساء زمانه.



ألف / العمق الاعتقادي : 

هذا الحديث الشريف يكشف عن حقيقة عظيمة في العقيدة الإسلامية، فالنبي (ص) لم يقل هذا الكلام عبثاً، بل أراد أن يبين للأمة أن فاطمة (ع) ليست مجرد بنت، بل هي امتداد روحي ووجودي للنبوة نفسها ، فهي : 


- الأمومة الحانية : 

إن أعظم الناس مقاماً وحقاً الأم ولهذا لما أراد النبي (ص) أن يكرّم فاطمة جعلها أم أبيها فأي فضلٍ ومقامٍ شامخ بلغته فاطمة (ع) . 

روى ابن عبّاس: أنّ قريشاً اجتمعوا في الحِجر، فتعاقدوا باللاّت والعزى ومناة لو رأينا محمداً لقمنا مقام رجل واحد ولنقتلنّه، فدخلت فاطمة (عليها السلام) على النبي ( صلّى الله عليه وآله) باكيةً وحكت له مقالهم، فقال: (يا بنية، أدني وضوئي، فتوضأ وخرج إلى المسجد، فلمّا رأوه قالوا: هاهو ذا وخفضت رؤوسهم، وسقطت أذقانهم في صدورهم فلم يصل رجل منهم، فأخذ النبي ( صلّى الله عليه وآله ) قبضةً من التراب فحصبهم بها، وقال: شاهت الوجوه) فما أصاب رجلاً منهم إلاّ قُتل يوم بدر.

وكما يقول بعض الكتّاب : ومما يؤكد عظم تفكيرها (عليها السلام) انها لم تقتصر في رعايتها لرسول الله (صلى الله عليه واله) في داخل البيت فقط بل تدعى ذلك للدفاع عنه ضد المشركين مع انها لم تبلغ من العمر الكثير ، وهذا ما يدل على عظم تفكيرها وحسن تدبيرها اذ سبق عقلها وعملها عمرها (عليها السلام) وهو ما لا يستغرب مع عالمة غير معلمة تلقت علماً لدنيا ونشات في كنف النبوة .


- ولها الامتداد النوراني : 

فهي قد خلقت من ذات النور الذي خلق منه النبي وعلي (ع) .

قال الإمام الصادق (ع): "إن الله خلق فاطمة حوراء إنسية، قبل أن يخلق آدم بألفي عام

هذا يعني أن نورها كان مع نور النبي (ص) في عالم الأنوار، فهي بضعة منه حقيقةً لا مجازاً.

يقول العلامة المجلسي في (بحار الأنوار): إن رضا فاطمة من رضا الله، وغضبها من غضب الله، لأنها المظهر الكامل للولاية الإلهية بعد النبي والأئمة.


- الإسلام الذي يدعو لنظام متوازن شمولي لا يلغي عنصر الأنوثة، لأنه عنصر يؤسس العلاقات الإيمانية والاجتماعية على ركيزة الرأفة والمحبة والحنان الضمان حياة اجتماعية معتدلة، وبيئة نفسية سليمة.

- إن من التفريط تصوّر المرأة كائناً لا يمتلك القدرة على تشخيص الحق من الباطل، وجعل الوصاية للرجل عليها في تشخيص الأمور، ثم إخراجها بالكامل من عملية الإصلاح.


- ومن الإفراط وضع المرأة في موقع لا يتناسب وطبيعتها، ما يجعلها في معرض الأخطاء، ويخضعها لتلاطمات روحية وعاطفية، وتجاذبات اجتماعية تفقد معها السيطرة وتستسلم فيها لنقاط الضعف . 


- وذلك لأن أحد أهم الأسباب التي تعرقل عملية الفهم والإدراك الصحيح هو الهيجان والانفعال والتأثر العاطفي في مواجهة الأحداث.


- إن الحساسية المفرطة والعاطفة الجياشة - التي هي من طبيعة المرأة - كثيراً ما تشكل حجر عثرة تخل بالتوازن في قبال الصدامات الاجتماعية، فهناك علاقة وثيقة بين الخضوع للمؤثرات العاطفية، وبين عدم صدور التصرف العقلائي الحكيم، فالحب يعمي ويصم، والبغض أيضاً كذلك .


- أدوار مقولبة : 

- ومن الإسراف إبراز هذه القوى العاطفية وصرفها في النزاعات الاجتماعية ومن الإفراط إنزال المرأة في سوح معارك للقيم والمبادئ، التي لا تحسن المرأة إنقاذ نفسها من لهواتها . وحق هذه القوى الروحية المقدسة ( العاطفة الأنثوية ) أن توظف في محلها الصحيح.


- المرأة ريحانة لا مصارعة : 

- إنما تحدث الطامة الكبرى حين تندفع المرأة للتصدي إلى موقع يجب أن يشعله الرجل ويتحمل عنها عواقبه وأعباءه وسلبياته، لأنها ريحانة وليست بقهر مادة كما قال أمير المؤمنين ( الله ) : لا تملك المرأة من أمرها ما جاوز نفسها فإنَّ الشَّرَأَةَ رَيْحَانَةٌ وَلَيْسَتْ بِقَهْرَمَانَةٍ ) .ومعنى القهرمان هو المصارع . 


- إن طيب الرياحين يظهر حين تتعرض للنسائم الهادئة العليلة، لكن حين تضع الرياحين في مواجهة الرياح العاتية والمصارعات الرجالية فلن تظهر خصوصيتها من طيب وجمال، بل ستذبل وتموت. ونحن حين نعرض المرأة لمثل هذه الأدوار الرجالية تلغي خصوصيتها، ونستثني بعدها الأنثوي، وتتسبب بإخراجها من الساحة الاجتماعية بسلبها أغلى ما لديها ..


- إن دفع المرأة لتنوب عن الرجال في مواضعهم يسلمها إلى نزاع روحي يشغل قلبها، ويحملها فوق طاقتها ، وإن هذا - والله - إخراج لها عن دورها الريادي، ومنع لها من ممارسة دورها الطبيعي ولكن بطريق آخر .


- لا إن أكبر ظلم للمرأة هو توظيفها لأداء أدوار تغفل به خصوصيتها الروحية واستخدامها من حيث تعلم أو لا تعلم الإشباع الرغبات النفسية للرجل، والإنجاح أغراضه الاجتماعية، حتى لو كانت هذه الأغراض مقدسة كالجهاد والقضاء والحكم والولايات. 



- سيدة نساء تصف المجتمع وتتعامل معه:

إن من أهم وظائف الإنسان الكامل والولي الناصع أن يفيض على غيره من معرفه ويبصّره طريق هدايته كيف إذا كانت الهداية منحصرة به ولا هداية بغيره مهما بلغ ، لذا نجد أن التبصّر في مشارب الجاهلية ومظاهرها لابد من استئصالها من جذورها لتكون كلمة الله هي العليا . 

لقد وصف امير المؤمنين وسيد الوصيين الامام علي بن ابي طالب (عليه السلام)  قبل بزوغ فجر الاسلام بالقول: {وأنتم معشر العرب على شرّ دين، وفي شرّ دار، تنيخون بين حجارة خشن، وحيات صمّ، تشربون الكدر، وتأكلون الجشب، وتسفكون دماءكم، وتقطعون أرحامكم، الأصنام فيكم منصوبة، والآثام فيكم معصوبة}.

ويقول عليه السلام في موضع اخر :{فالأحوال مضطربة، والأيدي مختلفة، والكثرة متفرقة في بلاء أزل، وأطباق جهل، من بنات موءودة وأصنام معبودة، وأرحام مقطوعة، وغارات مشنونة}


لقد لخصت السيدة الزهراء(عليها السلام) عبر خطبتها الغرّاء حال المجتمع انذاك بقولها: {فرأى الأمم فرقاً في أديانها، عكّفاً على نيرانها، عابدة لأوثانها، منكرة لله مع عرفانها.. وكنتم على شفا حفرة من النار، مذقة الشارب، ونهزة الطامع، وقبسة العجلان، وموطئ الأقدام، تشربون الطرق، وتقتاتون الورق، أذلّة خاسئين، تخافون أن يتخطّفكم الناس من حولكم}.


- وهي ذات العصمة والطهارة : 

قال تعالى: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا

فاطمة (ع) معصومة، وأذاها إيذاء لله لأنها لا تغضب إلا لله، ولا ترضى إلا بما يرضي الله.


- أصل التنشأة لا ينافي الاختيار :  

وجاءت  واقعة المعراج الكبرى، التي أَذن اللّه فيها لرسوله الأكرم ( صلّى الله عليه وآله ) بالعروج؛ لمشاهدة ملكوت السماء ( لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا )

 فيرى عِظم آيات ربّه بعينه؛ لتتسامى روحه العظيمة، ويتأهب لتلقّي ثقل الرسالة المصحوبة بسعة الأمل، فقد روى الفريقان – السنة والشيعة – أنّ رسول اللّه (صلّى الله عليه وآله) وطأ الجنة ليلة المعراج، فناوله جبرئيل (عليه السلام) فاكهةً من شجرة طوبى، فلمّا عاد إلى الأرض اِنعقدت نطفة فاطمة من تلك الفاكهة؛ ولذلك جاء في الحديث أنّ رسول اللّه ( صلّى الله عليه وآله ) قال: ( إنّ فاطمة حوراء إنسية، فكلما اشتقت إلى الجنة جعلت أقبّلها)


- التسمية والأثر : 

التسمية ليست مجرد اسم عابر ، بل تنطوي على أسرار ومعانٍ ربانية حيث أن الاسم إلهي والمقام رباني فلابد من أن يكون وجودها تبعاً لذلك عليها السلام .

وكفى باسمها ( فاطمة ) الذي حمل البشارة الكبرى لمواليها ومحبيها، فلفظ ( فاطمة ) قد أُخذ من مادة (فطم) بمعنى الانفصال، ومنه فِطام الولد بمعنى فصله عن الرضاعة، فقد ورد في الحديث أنّ رسول اللّه ( صلّى الله عليه وآله ) قال لأمير المؤمنين علي ( عليه السلام ): ( أَتعلم يا علي لِمَ سُميت اِبنتي فاطمة؟ قال ( عليه السلام ): لِمَ يا رسول اللّه ( صلّى الله عليه وآله )؟

فقال ( صلى الله عليه واله ): إنّ اللّه عزّ وجل فطمها ومحبيها من النار فلذلك سُميت فاطمة).


- تقسيم ما ورد عن وفي حق الصديقة الزهراء (ع) 

1- اثار علمية كلامية عقائدية 

نؤمن ونعتقد بأنها كآيات الله منها ما هو إشارة ومنها ما هو عبارة ومنها ما هو لطيفة ومنها ما هو حقيقة العبارة نفهمها والاشارة نتبعها واللطيفة يستريح العقل بها والحقيقة نستسلم لها. 

يقول عنها السيد الامام : الزهراء ظاهرة من مرتبة الغيب الاحدية كحال الأولياء يخطئ من يدعي معرفة مقامها المقدس م عقلاء وعلماء وفلاسفة لا يمكن اماطة اللثام عن منزلتها الرفيعة وقد كان الرسول في حياته يتعامل معها معاملة الكامل المطلق . 


۲- آثار عملية سلوكية باعتبار مقام حجيتها العلمية : 

فهي في موقع توضيح أبعاد الرسالة وبالنظر للدور الذي مارسته فلو تسنى لنا ووقفنا على سيرتها القطعية سنجدها باب واسع في كل مراحل حياتها في الدفاع عن الرسول والرسالة والولاية في اصعب الظروف وهذا الجانب يشمل كل جوانب حياتها الجهادية والعبادية وأمومتها وعلاقاتها الروحية والاجتماعية

عن فاطمة الزهراء عليها السلام ((إن كنت تعمل بما أمرناك وتنتهي عمّا زجرناك عنه فأنت من شيعتنا وإلاّ فلا)). 


- ولها الولاية التكوينية : 

قال رسول الله (ص): (إن الله يغضب لغضب فاطمة ويرضى لرضاها)

هذا يعني أن لها مقاماً في الولاية التكوينية، فغضبها ليس غضباً نفسياً بشرياً، بل هو انعكاس لغضب الله على الظالمين.


- من الأسرار الأخلاقية  :

كما يقول الشهيد مطهري:

"فاطمة الزهراء (ع) ليست قدوة للنساء فحسب، بل هي قدوة للإنسانية جمعاء في العبادة والجهاد والصبر والعلم".

السيد الإمام :

"إن فاطمة الزهراء (ع) حجة على الأئمة، كما أن الأئمة حجج على الخلق. مَن عرف فاطمة حق معرفتها فقد أدرك ليلة القدر".


- خطبة فاطمة الزهراء (ع): الموقف الخالد

بعد وفاة النبي (ص)، وقفت فاطمة (ع) في المسجد تطالب بحقها في فدك، فألقت خطبتها الفدكية الخالدة التي قالت فيها:

"أيها الناس! اعلموا أني فاطمة، وأبي محمد (ص)... جئتكم بآية من كتاب الله: ﴿وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ﴾، أفخصّكم الله بآية أخرج منها أبي رسول الله (ص)؟"


- في معنى : (من آذاها فقد آذاني)

الظلم له صور كثيرة جداً ، منها : 

1- أذى أهل البيت (ع) عبر التاريخ فقد آذى النبي (ص)، من واقعة السقيفة إلى كربلاء إلى سامراء.

2- الإهمال والنسيان: حتى نسيان ذكرهم وعدم إحياء أمرهم هو نوع من الأذى.

3- مخالفة نهجهم: من يخالف تعاليم أهل البيت (ع) في العدل والرحمة والعلم، فهو يؤذيهم.


- محورية فاطمة في قلوب الأجيال : 

إيذاء فاطمة (ع) بالجهل بمقامها وعدم تعليم الأجيال منزلتها بالتقصير في حب أهل البيت (ع) وموالاتهم بعدم الاقتداء بأخلاقها وعبادتها وزهدها ، ولهذا وظيفتنا تعريف أبنائنا والأجيال بأن محور الدين حب فاطمة التي هي قلب وبهجة وروح الرسول (ص) . 

قال الإمام الصادق (ع): "إن لفاطمة في الجنة قبة من درة بيضاء، ارتفاعها في الهواء مسيرة سنة، للناظر من داخلها أن ينظر إلى خارجها، وللناظر من خارجها أن ينظر إلى داخلها".

فلنكن من محبيها الصادقين، ومن السائرين على نهجها، ومن المدافعين عن مظلوميتها، فإن حبها إيمان وبغضها كفر.


- زوجية بأعلى المقاييس : 

يكفي لمعرفة الوئام الزوجي بين علي وفاطمة (ع) أن نجده في المحبة التامة بأعلى درجاتها والصفاء والبذل والتضحية من الطرفين ، فحياتهما الزوجية لسيت مجرد رابطة مكانة أو تحقيق لذائذ ومصالح كما عليه بعض الأزواج الآن . 

عَنْ جُمَيْعِ بْنِ عُمَيْرٍ التَّيْمِيِّ, قَالَ: دَخَلْتُ مَعَ عَمَّتِي عَلَى عَائِشَةَ فَسُئِلَتْ:((أَيُّ النَّاسِ كَانَ أَحَبَّ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ واله؟ قَالَتْ: فَاطِمَةُ, فَقِيلَ: مِنْ الرِّجَالِ؟ قَالَتْ: زَوْجُهَا، إِنْ كَانَ مَا عَلِمْتُ صَوَّامًا قَوَّامًا))

ورد في الترمذي في سننه من كتاب الفضائل عَنْ حُذَيْفَةَ, قَالَ:((سَأَلَتْنِي أُمِّي مَتَى عَهْدُكَ (تَعْنِي بِالنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ واله)؟ فَقُلْتُ: مَا لِي بِهِ عَهْدٌ مُنْذُ كَذَا وَكَذَا فَنَالَتْ مِنِّي, فَقُلْتُ لَهَا: دَعِينِي آتِي النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ واله, فَأُصَلِّيَ مَعَهُ الْمَغْرِبَ, وَأَسْأَلُهُ أَنْ يَسْتَغْفِرَ لِي وَلَكِ, فَأَتَيْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ واله, فَصَلَّيْتُ مَعَهُ الْمَغْرِبَ, فَصَلَّى حَتَّى صَلَّى الْعِشَاءَ, ثُمَّ انْفَتَلَ فَتَبِعْتُهُ فَسَمِعَ صَوْتِي, فَقَالَ: مَنْ هَذَا، حُذَيْفَةُ؟ قُلْتُ: نَعَمْ, قَالَ: مَا حَاجَتُكَ, غَفَرَ اللَّهُ لَكَ وَلِأُمِّكَ؟ قَالَ: إِنَّ هَذَا مَلَكٌ, لَمْ يَنْزِلْ الْأَرْضَ قَطُّ قَبْلَ هَذِهِ اللَّيْلَةِ, اسْتَأْذَنَ رَبَّهُ أَنْ يُسَلِّمَ عَلَيَّ, وَيُبَشِّرَنِي بِأَنَّ فَاطِمَةَ سَيِّدَةُ نِسَاءِ أَهْلِ الْجَنَّةِ, وَأَنَّ الْحَسَنَ وَالْحُسَيْنَ سَيِّدَا شَبَابِ أَهْلِ الْجَنَّةِ))


- بحر المعارف المحمدية : 

لقد باتت الصديقة الطاهرة (عليها السلام) تنشر من بحر علومها المتلاطم وتعلّم البشرية من معارفها الغزيرة طيلة أيام حياتها، بل كانت تبرز من علومها عندما يحير الآخرون في الجواب ليتعلّم المجتمع الأكبر، ومصداق نروي بعض الروايات التي تثبت العلاقة العلمية بين الزهراء والمجتمع ومنها :


1- التفاني في البيان : 

ففي رواية عن الإمام العسكري (عليه السلام) انه قال: حضرت امرأة عند الصدّيقة الزهراء (عليها السلام) فقالت: إنّ لي والدة ضعيفة وقد لُبس عليها في أمر صلاتها شيء، وقد بعثتني إليك أسألك، فأجابتها الزهراء (عليها السلام) عن ذلك، فثنت فأجابتها، ثم ثلّثت إلى عشرت فأجابت، ثم خجلت من الكثرة فقالت: لا أشقّ عليك يا ابنة رسول الله، فقالت الزهراء(عليها السلام): هاتي وسلي عمّا بدا لك، أرأيتِ من اكترى يوماً يصعد إلى سطح بحمل ثقيل وكراه مئة ألف دينار يثقل عليه؟ فقالت: لا. فقالت: اكتريت أنا لكلّ مسألة بأكثر مما بين الثرى إلى العرش لؤلؤاً، فأحرى أن لا يثقل عليَّ.


2- بلسمة القلوب بالعلم والمحبة : 

فضلاً عن تعليّمها للنساء ما يشكل عليهنّ من الأحكام الشرعية والمعارف الإلهية الضرورية ، وكان يغشاها نساء المدينة وجيران بيتها[22]، ويبدو أن بيتها كان المدرسة النسائية الاُولى في الإسلام ، حيث تقبل عليها النساء طالبات للعلم ، فيجدن فاطمة العالمة وهي تستقبلهنّ بصدر رحب لا يعرف الملالة والسأم .

عن الامام العسكري (عليه السلام) انه قال : ( قالت فاطمة عليها السلام وقد اختصمت إليها امرأتان، فتنازعتا في شيء من أمر الدين، إحداهما معاندة، والاُخرى مؤمنة، ففتحت على المؤمنة حجتها، فاستظهرت على المعاندة، ففرحت فرحاً شديداً، فقالت فاطمة عليها السلام : إنّ فرح الملائكة باستظهارك عليها أشدّ من فرحك، وإنّ حزن الشيطان ومردته أشدّ من حزنها . . . »


3- تشييد عظمة الدين في النفوس : 

لم تقتصر دور الزهراء (عليها السلام)على تعليم النساء بل كانت تطرف القاصدين إليها بما عندها من العلم والمعرفة ، فعن ابن مسعود ، قال : جاء رجل إلى فاطمة بنت رسول الله (صلى الله عليه وآله)، فقال : يا ابنة رسول الله ، هل ترك رسول الله (صلى الله عليه وآله)عندك شيئاً تطرفينيه، فقالت: « يا جارية، هاتي تلك الحريرة » فطلبتها فلم تجدها ، فقالت :« ويحك اطلبيها ، فانها تعدل عندي حسناً وحسيناً » فطلبتها فإذا هي قد قمّتها في قمامتها ، فإذا فيها : قال محمد النبي (صلى الله عليه وآله): ليس من المؤمنين من لم يأمن جاره بوائقه . ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يؤذي جاره . ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيراً أو يسكت. إنّ الله يحبّ الخيّر الحليم المتعفّف ، ويبغض الفاحش الضنين السَّئآل الملحف. إنّ الحياء من الإيمان ، والايمان في الجنة ، وإن الفحش من البذاء ، والبذاء في النار»


- قادة الأمة أرحم الناس بها : 

العلاقة الروحية بين الزهراء(عليها السلام) والمجتمع : لا تتشكل المجتمعات من علاقاتها المادية فقط بل هناك علاقات أهمّ واسمى من العلاقة المادية افراد المجتمع ألا وهي العلاقة الروحية، ومتى ما كانت هذه العلاقة متينة ومبنيّة على أسس قويمة، يكون المجتمع متقدّماً لا يُهزم أمام العقبات والمشاكل مهما كانت، أما إذا كان المجتمع منهزماً روحياً فسيهزم أمام أبسط المشاكل.

وخير ما يجسد العلاقة الروحية بين الزهراء(عليها السلام) انها لم تنس دورها الاجتماعي حتى في عبادتها ، فقد كانت تدعو للمؤمنين والمؤمنات ولا تدعو لنفسها، متحلية بالخلق النبوي والأدب الإسلامي الرفيع. لقد ركزت الصديقة الطاهرة (عليها السلام) على البعد الروحي في المجتمع، والشواهد على ذلك كثيرة؛ منها ما نقله الإمام الحسن المجتبى(عليه السلام) قال: رأيت أمّي فاطمة(عليها السلام) قامت في محرابها ليلة جمعتها فلم تزل راكعة ساجدة حتى اتضح عمود الصبح وسمعتُها تدعو للمؤمنين والمؤمنات وتسمّيهم وتُكثر الدعاء لهم، ولا تدعو لنفسها بشيء، فقلت لها: يا أمّاه لم لا تدعين لنفسك كما تدعين لغيرك؟ فقالت: يا بنيّ الجار ثم الدار!


4- القيمة الأعلى للأبقى : 

في رواية عنها(عليها السلام): أنها عندما سمعت أنّ رسول الله (صلّى الله عليه وآله) أراد أن يجعل مهرها من الدراهم اغتنمت الفرصة ونظرت إلى المجتمع ولم تنسه حتى في مثل هذه الأوقات فقالت لأبيها: إن بنات الناس يتزوَّجن بالدراهم، فما الفرق بيني وبينهن؟ أسالك أن تردّها وتدعو الله تعالى أن يجعل مهري الشفاعة في عصاة أمّتك، فنزل جبرئيل ومعه بطاقة من حرير مكتوب فيها: جعل الله مهر فاطمة الزهراء شفاعة المذنبين من أمة أبيها.


5- إقامة الحجة البالغة : 

جاء في خصال الشيخ الصدوق: أن فاطمة الزهراء(عليها السلام) لمّا منعت فدكاً وخاطبت الأنصار، فقالوا :يا بنت محمد، لو سمعنا هذا الكلام قبل بيعتنا ....ما عدلنا بعلي أحداً.

 فقالت:« وهل ترك أبي يوم غدير خمّ لاَحد عذراً »

وعن الإمام الباقر عليه السلام : « أنّ عليّاً عليه السلام حمل فاطمة عليها السلام على حمارٍ وسار بها ليلاً إلى بيوت الأنصار يسألهم النصرة ، وتسألهم فاطمة عليها السلام الانتصار له ، فكانوا يقولون : يا بنت رسول الله ، قد مضت بيعتنا لهذا الرجل ، لو كان ابن عمك سبق إلينا أبا بكر ما عدلنا به ، فقال علي عليه السلام عليهم السلام أكنت أترك رسول الله ميتاً في بيته لا أُجهزه ، وأخرج إلى الناس أُنازعهم في سلطانه! وقالت فاطمة عليها السلام : ما صنع أبو الحسن إلاّ ما كان ينبغي له ، وصنعوا هم ما الله حسيبهم عليه ».


6- التحسس الدائم لحال الأمة : 

خير شاهد على كرمها (عليها السلام) ما يرويه عبد الله بن مسعود فيقول: كان رسول الله (صلى الله عليه واله) ليلة العشاء فقام رجل من بين الصف فقال: يا معشر المهاجرين والأنصار، أنا رجل غريب فقير وأسألكم في مسجد رسول الله (صلّى الله عليه وآله) فأطعموني، فقال رسول الله (صلّى الله عليه وآله): أيها الحبيب لا تذكر الغربة فقد قطعت نياط قلبي، أمّا الغرباء فأربعة. قالوا: يا رسول الله، من هم؟ قال: مسجد ظهرانيّ قوم لا يصلُّون فيه، وقرآن في أيدي قوم لا يقرؤون فيه، وعالم بين قوم لا يعرفون حاله ولا يتفقّدونه، وأسير في بلاد الروم بين الكفّار لا يعرفون الله. ثم قال (صلّى الله عليه وآله): من الذي يكفي مؤونة هذا الرجل فيبوّئه الله في الفردوس الأعلى؟ فقام أمير المؤمنين (عليه السلام) وأخذ بيد السائل وأتى به إلى حجرة فاطمة (عليها السلام) فقال: يا بنت رسول الله انظري في أمر هذا الضيف. فقالت فاطمة: يا بن العمّ لم يكن في البيت إلا قليل من البرّ صنعت منه طعاماً والأطفال محتاجون إليه وأنت صائم والطعام قليل لا يغني غير واحد. فقال: أحضريه. فذهبت وأتت بالطعام ووضعته فنظر إليه أمير المؤمنين (عليه السلام) فرآه قليلاً، فقال في نفسه: لا ينبغي أن آكل من هذا الطعام فإن أكلته لا يكفي الضيف، فمدّ يده إلى السراج يريد أن يصلحه فأطفأه وقال لسيدة النساء(عليها السلام): تعلّلي في إيقاده حتى يحسن الضيف أكله ثم إيتيني به، وكان أمير المؤمنين (عليه السلام) يحرك فمه المبارك يُري الضيف أنه يأكل ولا يأكل إلى أن فرغ الضيف من أكله وشبعُ وأتت خير النساء بالسراج ووضعته وكان الطعام بحاله، فقال أمير المؤمنين سلام الله عليه لضيفه لم ما أكلت الطعام؟ فقال: يا أبا الحسن أكلت الطعام وشبعت ولكن الله تعالى بارك فيه، ثم أكل من الطعام أمير المؤمنين وسيدة النساء والحسنان (عليهم السلام) وأعطوا منه جيرانهم، وذلك مما بارك الله تعالى فيه، فلما أصبح أمير المؤمنين (عليه السلام) أتى مسجد رسول الله (صلّى الله عليه وآله) فقال: يا عليّ كيف كنت مع الضيف؟ فقال: بحمد الله يا رسول الله بخير، فقال: إن الله تعالى تعجّب مما فعلت البارحة من إطفاء السراج والامتناع من الأكل للضيف، فقال: من أخبرك بهذا؟ فقال: جبرائيل. 


7- الإنفاق للرسالة والرسول : 

أخرج ابن شهرآشوب عن ابن شاهين في (مناقب فاطمة عليها السلام ) وأحمد في مسند الأنصار عن أبي هريرة وثوبان أنّها (عليها السلام) نزعت قلادتها وقرطيها ومسكتيهاـ(سواريها) ـ ونزعت ستر بيتها ، فبعثت به إلى أبيها (صلى الله عليه وآله) وقالت : اجعل هذا في سبيل الله) فلمّا أتاه قال (صلى الله عليه وآله): قد فعلت فداها أبوها ـ ثلاث مرات ـ ما لآل محمد وللدنيا ، فإنّهم خلقوا للآخرة ، وخلقت الدنيا لغيرهم) وفي رواية أحمد:« فإنّ هؤلاء أهل بيتي ، ولا أُحب أن يأكلوا طيباتهم في حياتهم الدنيا».

وفي صحيفة الإمام الرضا(عليه السلام) عن الإمام علي بن الحسين (عليه السلام) قال:« حدثتني أسماء بنت عميس ، قالت : كنت عند فاطمة جدتك ، إذ دخل رسول الله (صلى الله عليه وآله) وفي عنقها قلادة من ذهب، كان علي بن أبي طالب(عليه السلام) اشتراها لها من فيءٍ له ، فقال النبي (صلى الله عليه وآله):لا يغرّنك الناس أن يقولوا :بنت محمد، وعليك لباس الجبابرة؛ فقطعتها وباعتها، واشترت بها رقبة فاعتقتها، فسُرّ رسول الله (صلى الله عليه وآله) بذلك».


8- حسن التبعل للزوج:

- أول هذه المقومات المهمة في نجاح الحياة الزوجية حسن التبعل للزوج، والمقصود به إطاعة الزوج، وحسن التعامل والعشرة معه . 


أ‌. المحبة تقتضي البذل الأسري : 

وقـــد كانت هـــذه الأعمال تكلفهـــا تعباً ونصباً بالغيـــن. وذات مرة دخـل النبي (صلى الله عليه واله) عليهما، فرآهمـــا قـــد أعياهمـا العمل. فقال: أيكما أكثر تعباً؟ فقال علي: فاطمة فأقامهـــا النبي عن العمل وجلس مكانها يعمل .


ب‌. تجنب التصعيد : 

كانت السيدة فاطمة الزهراء تدبر حياتها الزوجية بحسن التدبير، وحسن التبعل حتى قال عنها أمير المؤمنين عليه السلام: «ولا أغضبتني ولا عصت لي أمراً».

ويعد حسن التبعل للزوج نوعاً من أنواع الجهاد، فإذا كان جهاد الأعداء واجب على الرجال فإن جهاد المرأة حسن تبعلها لزوجها، إذ يقول الرسول الأعظم صلى الله عليه واله وسلم: «جهاد المرأة حسن التبعل لزوجها». 


ت‌. المراعاة بين الطرفين : 

لهذا تقول عليها السلام: «يا أبا الحسن إني لأستحي من إلهي أن تكلف نفسك ما لا تقدر عليه».


ث‌. التجمل والتزين للزوج:

من الضروري أن تهتم الزوجة بزينتها ونظافتها ومظهرها لزوجها لأن ذلك يزيد من تقوية وتمتين العلاقة الزوجية، أما إهمال هذا الجانب فيؤدي إلى النفور والكراهية بين الزوجين، وربما أدى إلى الانفصال والطلاق.

وقد كانت السيدة الزهراء عليها السلام تهتم بزينة ظاهرها وباطنها وتطيب بدنها ولباسها لزوجها كما أفادت الروايات بذلك.


ومن الخطأ ما تقوم به بعض النساء من اهتمام بالتزين والتجمل ولبس أجمل الملابس عند ما تخرج من البيت، وإهمال هذا الجانب لزوجها فهذا التصرف خلاف الحكمة، ويؤدي إلى خراب وفساد الحياة الزوجية.


- الحجاب هوية فاطمية محمدية (عليها السلام)

إن قضية الحجاب التي فرضها الله تعالى على المرأة تعد ركنًا مهمًا في قضية التعرف على هوية المرأة المسلمة، لذلك طبقت الزهراء المفاهيم الدينية التي تخص موضوع الحجاب بشدة، وحثت النساء المسلمات على تطبيقها، قال موسى: حدثنا أبي، عن أبيه، عن جده جعفر بن محمد، عن أبيه (عليهما السلام): " أن فاطمة بنت رسول الله (صلى الله عليه واله)، استأذن عليها أعمى فحجبته، فقال لها النبي (صلى الله عليه واله): لم حجبته وهو لا يراك؟ فقالت: يا رسول الله، إن لم يكن يراني فأنا أراه، وهو يشم الريح، فقال النبي (صلى الله عليه واله): أشهد أنك بضعة مني ".

وهكذا ورثت سيدة نساء العالمين عن ابيها هذه التعاليم الأخلاقية والعبر التوعوية في ارتداء المرأة للحجاب، وفي حديث اخر روي عن أمير المؤمنين عليه السلام قال : " دخل رسول الله صلى الله عليه واله وسلم ذات يوم على فاطمة عليها السلام وهي حزينة فقال لها : ما حزنك يا بنية ؟ فقالت : يا أبه ذكرت المحشر ووقوف الناس عراة يوم القيامة ، قال يا بنية إنه يوم عظيم ...حتى قال : ينادي مناد من تحت العرش يسمع الخلائق : غضوا أبصاركم حتى تجوز فاطمة الصديقة".

  فقد كان حجاب السيدة الطاهرة يحتوى على الشكل السليم لحجاب المرأة الديني، بالإضافة الى الذوق النسوي السلم. 

من الطبيعي أنَّ الإنسان يحتمي مما يخاف وإنْ لم يشاهده، بل ويحتمي ايضًا لمجرد احتمال الضرر منه؛ وذلك لوجوب اتخاذ إجراءات السلامة، فالإنسان يخاف من الأعداء أو الحيوانات ويحتمي منها وإنْ لم يشاهدها، كما يحتمي من الفايروسات التي لا يراها؛ ربما فقط لأنَّ الطبيب يحذِّره منها فيسارع إلى التوقي منها مخافة أنْ تهاجمه وتهدد سلامة وجوده، وهذا من باب لزوم دفع الضرر ولو المحتمل، أي إنّ العقل يحتِّم على العاقل الابتعاد عن مصدر الخطر إذا احتمل حصوله، فيتوجب عليه أنْ يدفعه عن نفسه قبل وقوعه.

وجاء فيها أنها قالت: «يا ابن عم، ما عهدتني كاذبة ولا خائنة ولا خالفتك منذ عاشرتني، فقال: معاذ الله، أنت أعلم بالله وأبرّ وأتقى وأكرم وأشدّ خوفًا من الله أنْ أوبّخك بمخالفتي»،  قال علي: «فوالله ما أغضبتها، ولا أكرهتها على أمر حتى قبضها الله عزّ وجلّ، ولا أغضبتني، ولا عصت لي أمرًا، ولقد كنت أنظر إليها فتنكشف عني الهموم والأحزان»

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

آفات تنخر قواعد الزوجية : 


أ‌- التحوّل لموقع الانقضاض والتقويض : 

فقد قال أمير المؤمنين عليه السلام في حقّ فاطمة عليها السلام: "فوالله ما أغضبتُها ولا أكرهتُها على أمرٍ حتّى قبضها الله عزّ وجلّ، ولا أغضبتْني ولا عَصَتْ لي أمراً، ولقد كنت أنظر إليها فتنكشف عنّي الهموم والأحزان".

وهذا الحديث يُظهر مدى المساحة الإنسانيّة المشتركة بينهما، والتي لو رجع إليها أيّ زوجين لأدركا أنّ الحقوق الإنسانيّة هي التي تفرض جوّ الوئام والانسجام بين الطرفين، وأنّ احترام هذه الحقوق وتقديسها من أوجب الواجبات في الحياة الزوجيّة. لذلك لم تكن علاقة عليّ عليه السلام بالسيّدة فاطمة الزهراء عليها السلام في كونها زوجته فقط، بل لمكانتها العظيمة التي ارتقت بها لتكون سيّدة نساء العالمين، ولأنّها بضعة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فكانت الشخصيّة الجامعة لمختلف الفضائل والقيم والكرامات.

 

ب‌- الأنانية وعدم تقسيم المهام والأدوار

ومن الطبيعي أن يتحوَّل كلّ فعلٍ أو قولٍ أو سلوك في ذلك البيت الزوجيّ الذي يعيش فيه معصومان إلى أسوةٍ وسنّةٍ حسنة لكلّ البيوتات الزوجيّة. البيت الوحيد الذي كان يضمّ بين جدرانه زوجين يتّصفان بالفضائل الأخلاقيّة والكمال الإنسانيّ هو بيت عليّ وفاطمة عليهما السلام، ولا سيّما في ما يرتبط بتقسيم الأدوار وتوزيع المهام. ولعلّ هذه النقطة من أولى النقاط في حياة وسعادة أيّ بيت زوجيّ، وفي هذه النقطة نقرأ ما جاء عن أبي جعفر عليه السلام أنّه قال: "إنّ فاطمة ضمنت لعليّ: عمل البيت والعجين والخبز وقمّ (كنس) البيت، وضمن لها عليٌّ ما كان خلف الباب: نقل الحطب، وأنْ يجيء بالطعام، فقال لها يوماً: يا فاطمة، هل عندكِ شيء؟ قالت: والذي عظّم حقّك ما كان عندنا منذ ثلاث إلّا شيء آثرتك به، قال: أفلا أخبَرْتني؟ قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم نهاني أن أسألك شيئاً، فقال: لا تسألين ابن عمّك شيئاً، إن جاءك بشيء عفواً وإلّا فلا تسأليه...".

وفي روايةٍ أنّه قضى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بخدمة فاطمة دون الباب، وقضى على عليّ عليه السلام بما خلفه. قالت فاطمة عليها السلام: "فلا يعلم ما داخلَني من السرور إلّا الله، بإكفائي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم تحمّل رقاب الرجال".


ج‌. الروتين القاتل : 

والحل في تحويل اليوميات النمطية إلى عبادات خالدة : 

* تفانيها في عمل المنزل

لقد كانت بنت النبيّ الأكرم تبذُل قصارى جهدها لإسعاد أُسرتها، ولم تستثقل أداء مهامِّ البيت رغم كلّ الصعوبات والمشاقّ، حتّى إنّ عليّاً أمير المؤمنين عليه السلام رقّ لحالها وامتدح صُنعها، وقال لرجل من بني سعد: "ألا أُحدّثك عنّي وعن فاطمة؟ إنّها كانت عندي، وكانت من أحبّ أهلي إليه، وإنّها استقت بالقربة حتى أثّر في صدرها، وطحنت بالرّحى حتى مَجِلت يدها، وكسحت البيت حتى اغبرّت ثيابها، وأوقدت النار تحت القدر حتّى دكنت ثيابها، فأصابها من ذلك ضرر شديد، فقلت لها: لو أتيتِ أباكِ فسألتِه خادماً يكفيكِ ضرّ ما أنتِ فيه من هذا العمل، فأتت النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم فوجدت عنده حدّاثاً فاستحت فانصرفت".

قال عليّ عليه السلام: فَعلم النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم أنّها جاءت لحاجة، قال عليه السلام: فغدا علينا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم... فقال صلى الله عليه وآله وسلم: "السلام عليكم"، فقلت: "وعليك السلام يا رسول الله، ادخل"، فلم يعد أن يجلس عندنا، فقال صلى الله عليه وآله وسلم: "يا فاطمة، ما كانت حاجتك أمس عند محمّد؟". قال عليه السلام: "فخشيتُ إنْ لم تُجبه أنْ يقوم"، فأخبره عليّ بحاجتها، فقلت: "أنا والله أُخبرك يا رسول الله إنّها استقت بالقربة حتى أثّرت في صدرها، وجرّت بالرّحى حتّى مجلت يداها، وكسحت البيت حتّى اغبرّت ثيابها، وأوقدت النار تحت القدر حتّى دكنت ثيابها، فقلت لها: لو أتيتِ أباكِ فسألتِه خادماً يكفيك ضرّ ما أنت فيه من هذا العمل"، فقال صلى الله عليه وآله وسلم: "أفلا أُعلّمكما ما هو خير لكما من الخادم؟ إذا أخذتما منامكما فسبّحا ثلاثاً وثلاثين، واحمدا ثلاثاً وثلاثين، وكبّرا أربعاً وثلاثين"(6). وفي رواية أنّ أمير المؤمنين عليه السلام قال لها: "مَضَيْتِ تريدين من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الدنيا فأعطانا الله ثواب الآخرة".

وما وصلنا من اخبار عن فاطمة يصورها بصورة المعلمة الاولى للمسلمات اللواتي يقبلن على بيتها فاهمات متعلمات فتفيض عليهن بما وعته من علم وتثقفهن بثقافة العصر وتشجعهن على طلب العلم والمعرفة، وهكذا كان بيتها المدرسة الاولى في الإسلام للمرأة، اذ تمكنت من قيادة المجتمع وبالأخص الشريحة النسوية من بيتها.

وخير دليل على عمق دور التربية والتثقيف الذي كانت تمارسه فاطمة الزهراء (عليها السلام) هو ما ورد في الروايات عن جاريتها فضة التي ما تكلمت الا بالقران لمدة تزيد عن عشرين عاما.

فقد عاشت الزهراء ونشأت تحت ظلين، ظل أبيها وظل حليلها، وعانقت ريحانين، الحسن والحسين ذرية لرجلين نبي وامام، وعانقت رهافتين رهافة الجسم ورهافة الحس، واختبرت عصرين عصر الجاهلية وعصر الانبعاث، واحبت اباها حبين، حب النبوة وحب الأمومة، وصهرت بصهرين، صهر الفقدان، وصهر الحرمان" .

وتتابع الايام فيما بعد لدى وفاة أبيها الذي تضمخت بطيب قارورته، وتنسمت الرحمة والرأفة في أنفاسه، لتصدم في صميم الاحداث الجديدة، بجنان ثابت يتقاسمه الكمد من جانب المضادة وقيادتها الفذة من جانب اخر.


غصة المصاب وكآبة الافتقاد : 

روى الشريف الرضي في نهج البلاغة أنّ أمير المؤمنين (ع) وقف بعد دفنه للسيدة الزهراء(ع) عند قبر رسول الله (ص) كَالْمُنَاجِي له فقال: ” السَّلَامُ علَيْكَ يَا رَسُولَ اللَّه عَنِّي – وعَنِ ابْنَتِكَ النَّازِلَةِ فِي جِوَارِكَ، والسَّرِيعَةِ اللَّحَاقِ بِكَ، قَلَّ يَا رَسُولَ اللَّه عَنْ صَفِيَّتِكَ صَبْرِي ورَقَّ عَنْهَا

تَجَلُّدِي، إِلَّا أَنَّ فِي التَّأَسِّي لِي بِعَظِيمِ فُرْقَتِكَ وفَادِحِ مُصِيبَتِكَ مَوْضِعَ تَعَزٍّ فَلَقَدْ وَسَّدْتُكَ فِي مَلْحُودَةِ قَبْرِكَ، وفَاضَتْ بَيْنَ نَحْرِي وصَدْرِي نَفْسُكَ، فَـ {إِنَّا لِلَّه وإِنَّا إِلَيْه راجِعُونَ} [البقرة-156 ]، فَلَقَدِ اسْتُرْجِعَتِ الْوَدِيعَةُ وأُخِذَتِ الرَّهِينَةُ، أَمَّا حُزْنِي فَسَرْمَدٌ وأَمَّا لَيْلِي فَمُسَهَّدٌ، إِلَى أَنْ يَخْتَارَ اللَّه لِي دَارَكَ

الَّتِي أَنْتَ بِهَا مُقِيمٌ، وسَتُنَبِّئُكَ ابْنَتُكَ بِتَضَافُرِ أُمَّتِكَ عَلَى هَضْمِهَا – فَأَحْفِهَا السُّؤَالَ واسْتَخْبِرْهَا الْحَالَ، هَذَا ولَمْ يَطُلِ الْعَهْدُ ولَمْ يَخْلُ مِنْكَ الذِّكْرُ، والسَّلَامُ عَلَيْكُمَا سَلَامَ مُوَدِّعٍ لَا قَالٍ ولَا سَئِمٍ، فَإِنْ أَنْصَرِفْ فَلَا عَنْ مَلَالَةٍ، وإِنْ أُقِمْ فَلَا عَنْ سُوءِ ظَنٍّ بِمَا وَعَدَ اللَّه الصَّابِرِينَ”.


- روايات الشهادة : 

استشهدت الزهراء (عليها السلام) في 13 جمادى الأولى وهناك روايات أخرى منها ليلة الأحد لثلاث خلون من شهر جمادى الثانية من العام الحادي عشر من الهجرة، ولها من العمر ثماني عشرة سنة وسبعة أشهر، أي بعد وفاة والدها بثلاثة أشهر...  


                وصلى الله على محمد وآله الطاهرين

الأربعاء، 29 أكتوبر 2025

زوجات العلماء الربانين ،،، قصص للتأمل


توقف ليسأل نفسه نحن ننجب الأبناء ليكونوا امتداداً لنا في الحياة يحققون ما قصرت قدراتنا وتوفيقاتنا عن نيله والوصول له ، فنبذل جهدنا ليكونوا صورة أنصع وقدرات أكبر وتوفيقات أجمل وهذا ما يدعونا للصبر والمواصلة ،،،



 هكذا هي أماني كل زوجين في معاناتهم في تربية الأبناء يتفانون ويبذلون غير منتظرين سوى أن تقر أعينهم في أبنائهم ليكونوا ( قرة أعين ) . وكما ورد عن الإمامُ عليٌّ عليه السلام: [ ما سَألتُ ربِّي أولادا نُضْرَ الوَجهِ، ولاسَألتُهُ وَلَدا حسَنَ القامَةِ ، ولكنْ سَألتُ ربِّي أولادا مُطِيعِينَ للّه ِ وَجِلِينَ مِنهُ ؛ حتّى إذا نَظَرتُ إلَيهِ وهُو مُطيعٌ للّه ِ قَرَّت عَيني ] . ومحصل أثرهم سيكون حسب موقعهم المعرفي والعملي ونتاجهم ودائرة تأثيرهم  . 

ولكن هل ساقت الصدفة كبار الأعلام  في المجالات العلمية المختلفة ومنها الفقاهة أن يكونوا سادةً يتسنمون زمام المرجعية الدينية ليجدوا أنفسهم صدفةً وسط هذا الشرف الكبير ؟! 

بكل تأكيد لا ، فلا يمكن تصوّر الصدفة في الأمر ، فهناك مقدمات كثيرة وكبيرة أوصلتهم لهذا المقام العظيم ليس العلم وحده ما تعكّزوا عليه لبلوغهم ذلك ، فالعلم والذكاء والنباهة ليست علة تامة في الحصول على الرتب الإلهية ، ولا العلاقات لها دور وصوله للمقام لأنه ليس مما تناله الأيدي والسماء دونك لا تبلغها أي يدٍ لأن الأمور الإلهية أعظم من القدرات البشرية . 

فما بلوغ العلماء لهذا المقام إلا بتقوى عالية ومجاهدة للنفس وقوة توكل وإيمان ويقين ، ولكن جزء من ذلك أمر قد يخفى على بعض الناس وهو الاستقرار الأسري والتماسك الزوجي. 

فالبيئة الأسرية لها أكبر الأثر في التوجّه سواء ً في البعد الروحي أو المعرفي أو العلمي أو العملي أو الاجتماعي أو النفسي ، فلا يمكن للإنسان أن يبدع وسط بيئة مشحونة بالتوتر والنزاعات والجدل فهي أداوت هدم واضعاف لقدرات الإنسان وإمكانياته ومواهبه مهما بلغت . 

إن لاختيار الزوج دخالة في نجاح الإنسان رجلاً كان أو امرأة ، وهذا ما نرى الشريعة تؤكد عليه من أهمية الاختيار وعدم التساهل فيه بأي عنوان من العناوين ( من تزوج فقد أحرز نصف دينه ) ، ولهذا نجد أن الأكابر من العلماء الذين لهم موقعية مرموقة علمياً وحضارياً كانت إلى جانبهم زوجات نلن شرف الزوجية والعون والمحبة والتقدير  . 

لا غرابة أن نجد المرجع المعظّم السيد السيستاني دامت بركاته بموقعيته ورمزيته وتأثيره متصدّراً هذا المقام الشامخ لما له من ميزات وملكات حاز بها عنوانه الكبير حفظه الله وأدام بركاته وسائر الأعلام والمراجع العظام ، ولكن خلف هذا السيد وإلى جانبه ومع قلبه الكبير كان قلب يحمل معه هموم الأمة وآمالها العريضة السيدة العلوية كريمة آية الله السيد ميرزا حسن الشيرازي، أحد أحفاد المرجع السيد محمد حسن الشيرازي المعروف بلقب "المجدد" ،فكان ثمرة هذا الزواج الكثير من البركات الظاهرة وغير الخفية لكل ناظر دون تأمل . 

 إن زوجات العلماء يشاركن بشكل كبير فيما يعانيه العالم من أجل العلم درساً وتدريساً وحفظاً وتبليغاً ، ومن أجل الأمة وتطلعاتها الكبرى كيف وميراثها الأعظم هو الذب عن حياض الدين وساحة الولاية لكي لا يشوبها أي شائبة تعكّر صفوها ، كيف وكل أبناء الأمة أبناؤه وهمومهم همومه في المشرق والمغرب ، فهو حامل بيدٍ سراج العلم وبيدٍ أخرى سراج البصيرة يحاول أن يوصله لكل المؤمنين بقيم السماء . 

إن الفقد المر الذي أوجع قلب سيدنا السيستاني وقلوب أبنائه والمؤمنين جميعاً ألفت الناس إلى جلالة دور زوجات العلماء وعظم تضحياتهم في سبيل الدين والمؤمنين فدونك قصص هؤلاء المضحيات المساندات العظيمات كزوجة الشيخ الأعظم الأنصاري والسيد البروجردي والسيد الإمام والسيد الخوئي والعلامة الطباطبائي والسيد المرعشي النجفي والسيد السبزواري والسيد الشهيد الصدر والقائمة تشرق بأسماء لامعة كنّ خير معينات لأزواجهن ، وهذا ما يدعو إلى ضرورة تعظيم وإجلال العلماء والتسابق لمساندتهم في أدوارهم العظيمة من حفظ القيم ونشر الخير والتبصّر في الدين ، والحرص على وحدة المؤمنين وسلامة القلوب  والتباعد عن ما يثير الفتنة ووهن أهل الإيمان . 


وزبدة القول :

 ما أحوجنا جميعاً في الأسرة إلى أن نلتفت إلى أهمية تربية الأبناء على القيم الفاضلة وتذكير البنات دوماً على أن محور الحياة الإبداعية تنتثر من بين أيديهن جمالاً وتألقاً إن عرفن قيمة أنفسهن ، وأنهن أعظم بُنات الحضارة ومشيّدات أركانها إذا علمن أن أكبر أدوارهن هو بناء الإنسان وحماية الأسرة واحاطتها بالرعاية التي لا يمكن لأي فردٍ مهما أعطي أن يسد مسد الأم والزوجة في الأسرة ، والطريق الوفاق الزوجي فيما لا معصية فيه ، ففي الخبر الشريف عن مولانا الباقر (ع) : [ لا شَفِيعَ للمرأة عند ربها أفضلُ من رضا زوجها ].

روى قيس بن سعد: أتيت الحيرة فرأيتهم يسجدون لمرزبان لهم، فقلت: رسول الله أحق أن يسجد له، قال: فأتيت النبي (صلى الله عليه وآله) فقلت: إني أتيت الحيرة فرأيتهم يسجدون لمرزبان لهم، فأنت يا رسول الله أحق أن نسجد لك، قال: " أرأيت لو مررت بقبري أكنت تسجد له " ؟ قال: قلت: لا. قال: فلا تفعلوا، لو كنت آمرا أحدا أن يسجد لأحد لأمرت النساء أن يسجدن لأزواجهن لما جعل الله لهم عليهن من الحق

التبعّل شرف وزينة : 

نقل السيد عادل العلوي ( رضوان الله عليه ) : كم من مرّة وضعت زوجة آية الله العظمى السيّد البروجردي (قدس سره) العشاء من أوّل الليل في غرفة زوجها ، فتأتي صباحاً وترى الأكل لا يزال على ما كان ، وكان السيّد مشغولا بالمطالعة حتّى الصباح.

قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) :« ما من متعلّم يختلف إلى باب العالم إلاّ كتب الله له بكلّ قدم عبادة سنة ».

وأن أعلى درجات البذل ( حسن التبعّل ) فلا ينبغي أن يزهد الأبوان حين يربيان بيناتهم لتجريدهم من حس الأمومة ليحل محل بناء الزوجية أمور أقل أهمية ، فالمقام الأول والأعظم للمرأة هي تشييد الأسرة وإن أصبحت موظفة فيما يلائم طبيعتها وموقعا الأمومي ، فعن الإمام الصادق (ع) : ( البَنونَ نَعيمٌ والبَناتُ حَسَناتٌ، واللّه ُ يَسألُ عَنِ النَّعيمِ ويُثيبُ علَى الحَسَناتِ ) . 


إشراقة ملهمة : 
نقل كتاب سيماء الصالحين القصة التالية :  أنّ زوجة الشيخ مرتضى الأنصاري [طاب ثراه] طلبت منه ذات يوم شراء قطعة قماش لتغطي بها الفُرش واللحف التي توضع في جانب الغرفة نهاراً إلّا أنّ الشيخ لم يستجب لذلك لشدة احتياطه.

وعندما آذاها منظر الفرش واللحف أمام الناس قررت أن تقتصد في مصروف البيت لتشتري قطعة القماش هذه ... وفعلاً بدأت تشتري بدل 225 غراما من اللحم ( 3 سير) 187.5 غراماً (2 سير) واستطاعت بسبب ذلك طيلة فترة معينة أن توفر ثمن الغطاء الذي احتاجته، فاشترته.

وعندما علم الشيخ بذلك... قال باستياء شديد:

"يا ويلي ... لقد صرفت حتى الآن مقدراً من الأموال الشرعية بدون مبرر كنت أتصور أنّ (3 سير) 225 غراماً من اللحم هي الحد الأدنى الذي نحتاجه والآن اتّضح لي خطأ ذلك.

ثمّ أمر الشيخ الأنصاري [طاب ثراه] بإرجاع قطعة القماش وأن لا يشتروا من اللحم إلا مقدار ( 2 سير) 187.5 غراماً.


نعم رحلت زوجة هذا العالم الجليل رحمها الله رحمة الأبرار ورحلت غيرها من زوجات العظماء ولكن على منهاجها المشرق الذي هو منهاج أهل البيت (ع) الكثير من الصالحات المساندات لأزواجهن  والمربيات لأبنائهن على القيم النبيلة التي ضحى لبقائها شامخة أهل بيت العصمة (ع) وما زالت هؤلاء النسوة المضحيات في مسيرة الخير والصلاح والوعي والبصيرة وخدمة الإنسانية ترفدها بكل جميل وتعليها بكل محبة ونقاء وطهر .  

فسلام على كل زوجة صالحة وأم مربية تستحق التقدير والاعتزاز ما أشرقت شمس وأضاء قمر ، والفاتحة لأرواح المؤمنين والمؤمنات .

الخميس، 23 أكتوبر 2025

🍃حتى تبقى مجالس للفاتحة والولاء ،،،🍃


حين تنصب خيام العزاء لفقد مؤمن أو مؤمنة 

 فإن للخيمة أركان ودعامات منها طلب المثوبة للأحياء والأموات واستشعار ألم الفقد لأنها من أطناب العزاء وتخفيف مرارته بمشاعر وكلمات المواساة الصادقة

وتتوجها بتيجان قدسية هي طلب الثواب عبر تلاوة القرآن الكريم ورثاء آل محمد عليهم السلام
فهي ما يبقي لخيمة العزاء قيمة أخروية ولقاءً تسوده السكينة وتكسبه المهابة ومحطة مشرعة طوال العام ترفد المجتمع بأهم مميزاته وهي تعميق الانتماء والعشق والتسابق في الولاء لأهل البيت عليهم السلام ..
وهي أرض فردوسية من جنان الإيمان ومجمع لأهل الصلاح يحضرها ليزداد إيماناً ويقيناً ،،، 

هكذا هي المجالس العزائية التي ربانا عليها أعلامنا مستمدة من مدرسة العصمة والطهر ،،

أما أن تتحول هذه الخيمة المجللة إلى حفلة للكشخة وللتصوير والتقاط الذكريات وتبادل البسمات والضحكات  والتسابق على اللقطات
لتسجيل رصيد اجتماعي بأن فاتحتنا أكثر عدداً وأهم تأثيراً وهاهي الوجوه تتسابق لتقديم العزاء والمواساة من القريب والبعيد 

 فهنا أمر يحتاج إلى تدارك قبل أن يصبح رسماً تموت معه أهم الروافد المعنوية المستدامة التي تميز محبي آل محمد عليهم السلام أن في أفراحهم وعزائهم حياة وعنفوان والهام بأن كل لحظاتهم جامعة يستقي منها المحب دروساً للحياة الطيبة حتى عند فقد وعزاء أحبتهم هي محطة وعي وبصيرة وتجديد ولاء آل محمد لا حالة من حالات للاستثمار الإعلامي وحصاد لايكات المعجبين وزيادة المتابعين.. 
فبهذه الانعطافة غير الموفقة تنهدم الخيمة التي تقرّبنا من الآخرة وتذكّرنا بأن للموت رهبة لا ينبغي أن نحوله إلى تسابق صوت الكاميرا ونتفنن في زوايا اللقطات مع المشاهير أو نسعدهم بعدد الملتقطين والمزدحمين ،،،

🔅 الخلاصة :
الإشارة المنبرية الواضحة بتجنب هذه التصرفات الاندفاعية ، ورفضها من قبل أهل العزاء والتذكير بها هي وقفة وفاء للميت بأننا اجتمعنا لأجل البصيرة الولائية وطلب مثوبة الفقيد أو الفقيدة لا للاستعراض التصويري . 


الفاتحة لأرواح المؤمنين والمؤمنات

السبت، 6 سبتمبر 2025

تقديم كتاب المعالم الموجزة لسور القرآن الكريم

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على خير المرسلين وآله الغر الميامين وعلى خاتمهم وقائمهم أرواحنا والعالمين فداه .

امتاز الذكر الحكيم والثقل الأكبر والحبل الممدود بين الأرض والسماء والكتاب المبين بين سائر الكتب السماوية بأنه المهيمن على كل شيء والجامع لكل المعارف والحي الذي يعبث الحياة في نفوس المعتقدين به وغيرهم حيث أن من أهم وظائفه بعث الروح الإيمانية في النفوس والهداية الواقعية الموجبة للصلاح وعمارة الأرض بالفضائل والنهضة المعرفية والقيمية والحضارية الوارثة .
وقد روى الكليني بسند صحيح عن أبي عبد الله (الصادق) (عليه السلام)، قال: 
" إن الله تبارك وتعالى أنزل في القرآن تبيان كل شئ حتى - والله - ما ترك شيئا يحتاج إليه العباد، حتى لا يستطيع عبد أن يقول: لو كان هذا انزل في القرآن؟ إلا وقد أنزله الله فيه"

والقرآن من أهم عناصر حركية الأمة وترابطها عمودياً وأفقياً كما يعبّر بعض العلماء ، وهو كتاب للهداية ولم يأتِ ليحل محل العلوم المختلفة الطبيعية وغيرها بل ليتوّج حياة الإنسان بأهم مقوّمات الفوز والطمأنينة وبناء خير أمة أخرجت للناس . 

لقد شكّل القرآن الكريم بآياته وسوره وحدة عضوية لا يمكن أن يجد المدقق أي ثغرة ينفذ منها وإلا لاستطاع المترصّدون والمعاندون طوال التاريخ منذ نزول القرآن الكريم وحتى يومنا ذلك إذ ( لو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافاً كثيراً ) ولو استطاعوا أن يقدّموا شواهد على بشريته وتناقضه لقدّموها وإنهم لعاجزون وهو من شواهد وحيانيته وما يترتب من حجيته ودستوريته للعلم والعمل والهداية والاسترشاد . 

لقد انبرى الأولياء والعلماء منذ الصدر الأول للإسلام العزيز بالعناية الفائقة بالقرآن الكريم تفسيراً وتبياناً وكتابةً ونشراً إيماناً منهم بأن أحد الروافد الثرية للأمة هو بيان القرآن وتبيانه وتوضيحه وتفسيره كونه جسراً ضرورياً للوصول له ونهراً تغترف منه الأمة معينها الصافي والأصفى والوافي والأوفى، وقد قدّم سادة الخلائق ووارثي الكتاب وأوصياء النبي الخاتم محمد صلى الله عليه وآله الأئمة الأطهار عليهم السلام الكثير في خدمة كتابه الله المبين فكانوا هم الثقل الآخر الذي لا يمكن إدراك حقائق القرآن دون الرجوع إليهم .

ومن خزّان العلم استمد العلماء والصلحاء وذو القلم معارف القرآن الكريم وتظافرت الجهود منذ عصر الأطهار عليهم السلام فألفوا الكثير من التفاسير في شتى المسارات القرآنية من التفسير والإعراب وعلوم القرآن وحتى يوم الناس هذا ، ومن أهم معالم فهم القرآن الكريم  كما بسطه أهل البيت (ع) في رواياتهم الكثيرة ومنه هذه الرواية أوردها البرقي في المحاسن عن أبي الوليد البحراني ثم البحري، عن أبي جعفر (عليه السلام)، أن رجلا قال له: أأنت الذي تقول ليس شئ من كتاب الله إلا معروف؟ " 
قال: ليس هكذا قلت. إنما قلت: ليس شئ من كتاب الله إلا عليه دليل ناطق عن الله في كتابه مما لا يعلمه الناس... إلى أن قال: إن للقرآن ظاهراً وباطناً ومعانياً وناسخاً ومنسوخاً ومحكماً ومتشابهاً وسنناً وأمثالاً وفصلاً ووصلاً وأحرفاً وتصريفاً ، فمن زعم أن الكتاب مبهم فقد هلك وأهلك... "

ويمكن مراجعة تاريخ تفسير القرآن الكريم للوقف على البدايات والتصنيفات القرآنية في مدرسة أهل البيت (ع) وغيرها مع ملاحظة أنه لم يحظ كتاب بما حظي به القرآن العزيز من الاهتمام والعناية من لدن الأمم بكتبها .
ومما وفّق له الإخوة الأكارم الأطايب في جمعية تراتيل الفجر القرآنية بصفوى أن قدّموا للساحة القرآنية كتاباً بديعاً حمل بين طيّاته الكثير من المعارف القرآنية المتقدّمة فعرضوها بشكل أنيق وبديع ومنظّم في كتاب ( المعالم الموجزة لسور القرآن الكريم ) فكانت بصماتهم الباهرة وجهودهم المحكمة لرسالة ملهمة لكل المهتمين بالقرآن العزيز بأن بين أيديهم جهود علمية ضخمة سطّرها الأعزاء في صورة وإخراج راقيين تؤنس القارئ وتشوّقه للتدبّر في السور القرآنية للتكامل التلاوة الواعية والإقبال الروحي على القرآن ، فالمعالم لكل سورة هي الأعمدة المقوّمة للسورة وتشكّل رابط بياني يتدرّج معه القارئ ليصل إلى إحدى الغايات من كل سورة بحسب ما وصلنا لنا من تراث أهل البيت (ع) وهم أهل القرآن وخاصته والحافظين له ، حيث أن دراسة المعالم ترتكز على مقوّمات هامة منها : 
 
الإشارة للوحدة البيانية للقرآن  .
الإحاطة بظروف النص القرآني .
الاعتماد على السنة الصحيحة في التفسير.
إن من أبرز ما قدّمه هذا الكتاب البديع أن ازدان حدائقه وانتظمت جنباته المونقة بين التعريف الموجز أو البطاقة الرقمية لكل سورة ، وتصنيف السور، ومكان النزول وعلاماتها وزمانها وسبب نزولها وفضل السور وثواب قراءتها وأسماءها وخصائصها وأغراضها ومقاطع هامة من السور .

والجميل أن الإشارة للآيات الولائية في كل سورة تتوج به الكتاب مما يعزز الانتماء ويحفّز يعمّق المعرفة والمحبة والانتماء لأهل البيت (ع) ، كما أشار الكتاب لأمر هام وهو الانتفاع والاستشفاء به تداركاً الأوهام التي يروّجها البعض بعيداً عن القرآن والعترة الطاهرة .

 فنحن أمام مشروع كبير قدّمه الكتاب ضمَّ بين دفتيه ما لا يستغني قارئ للقرآن يريد التكامل والعمل به ، وحقيق بكل أسرة أن تحرص على اقتناء هذا السفر الجميل والكتاب الجليل لما له من فوائد للكبير والصغير والمثقف وغيره فهو نعم الزاد للمعاد 
والحمد لله أولاً وآخر وصلى الله على محمد وآله الطاهرين

أقل أهل العلم حسام سعيد آل سلاط 
يوم الأربعاء 11 شهر رمضان المبارك 1446هـ - المصادف 12 مارس 2025م.

الجمعة، 15 أغسطس 2025

🎋تعالوا أحدثكم عن منبر الشيخ الحسام🎋

تقرير | ميثم حسن والسيد حسين السيد شرف



أن ترتقي منصة الحديث عن أصبوحة حسينية أرِيد لها أن تقدّم سبعاً من الأوراق النقدية لسلسلة من البحوث الفكرية حملت عنوان " كربلاء بين البعدين الاجتماعي وفقه القلوب
يعني أنك مدعو للاعتذار تارةً وللاعتراف بالعجز والخجل تارةً أخرى . . 

 لأنك في سباق الفكر أنخت ركابك تحت منبر الحسام ، إنه هو ذلك المنبر الذي أتخذ من محبة الفكر شِرعةً له فتجذّرت تلك المحبة في عمق العقل لتكون جزء من الذات ، يفتح القلوب فتنفتح له العقول ، يرتفع بالإنسانية لينفتح على الله وعلى حركة الحياة .

هكذا كانت الرحلة في خط الزمن ممتدةً لساعات وفي خط الوجدان مشحونة ًبالحب ممزوجةً بالعنفوان ،فقد انعقدت جلسة اللجنة الاستشارية العاشورائية الحوارية بحضرة سماحة الشيخ حسام آل سلاط - حفظه الله - صباح يوم السبت الموافق 14 صفر 1447هـ، بحضور أعضاء اللجنة من الأخصائيين والأساتذة والمثقفين، واستمرت لست ساعات مثمرة. 
واستُهِلَّ الجلسة بحمد الله تعالى وشكره على ما أنعم به من لطف وكرم، إذ مَنَّ على سماحة الشيخ بالصحة والعافية بعد الوعكة الصحية التي ألمّت به، والتي حالت دون إتمام مشاركته في خدمة الإمام الحسين عليه السلام خلال ختام العشرة العاشورائية. وقد عبّرت اللجنة عن بالغ فرحتهم وسرورهم بسلامته وعودته المباركة لمواصلة مسيرته في خدمة المأتم الحسيني، رافعين يد الضراعة لله تعالى على وافر نعمه وآلائه.
وقد استعرض المستشارون الأطروحات والموضوعات التي طُرحت خلال الموسم العاشورائي المنصرم من زاويتها الإيجابية، مع تسليط الضوء على ما حملته من مضامين بنّاءة أثرّت في مختلف شرائح المجتمع من صغار وشباب وكبار، رجالاً ونساءً.

كما ناقش الأعضاء فرص تطوير الأطروحات العاشورائية بما يعمّق الرسالة الحسينية، ويخدم التوجيه الروحي والفكري والمعرفي للمجتمع، مع التأكيد على أهمية الموازنة بين العاطفة والوعي في الطرح.
" كن حسينياً لا موسميا ً" محطة الانطلاق في هذه الرحلة والتي لم تخفِ في مطالعتها شدة الانبهار بما قدمه البحث من هيكلٍ متينٍ ولغةٍ حيةٍ مؤثرةٍ  تمثّلت في مقدمة جاذبة تضمّنت قراءة شيقة للقصة القرآنية للنبي صالح عليه السلام وعرض منظم وواضح للأفكار التي تدرجت في معالجة محوري البحث  : وترية الحسين وسر عظمته والروح الحسينية بين المسؤولية والموسمية لتصل إلى خاتمة ملهمة .
وأشادت الورقة الأولى بالإحاطة التي تمتعت بها المحاضرة الأولى بما تضمنت من خلاصات منظمة واشارات تلامس الواقع المعاش .

بينما جاءت مطالعة الورقة النقدية لبحث المحاضرة الثانية " الأسس الاجتماعية قرآنياً " لتقف على الوضوح لعناصر البحث من البداية للنهاية فمن ركيزة العدل اجتماعياً إلى الإحسان حالة فوق العدل بعداً روحياً لتسير الإنسانية سيراً ارتقائياً تصاعدياً لتتسلّق قمم الكمال .
وأشادت القراءة بما تمتعت به معالجة محاور البحث من  تدّرج في الاهتمام بالعلاقات الرحمية والتكاتف الاجتماعي وتطعيم البحث بالآيات والروايات والشواهد الواقعية .

" أدواء القلوب وعلاجها في خطابات الإمام الحسين عليه السلام " جاءت عرضاً وتحليلاً في الورقة النقدية الثالثة حيث قدّمت قراءة متأنية مبدعة في لغة الخطاب للبحث من حيث ما ينطوي تحت محوريه : القلوب بين الطهارة والقذارة ونماذج من الأدواء التي اصابة الأمة وكيف عالجها الامام الحسين عليه السلام.
كما وخرجت هذه القراءة بمجموعة من المرئيات والتي شددت على الوقع المؤثر للاستشهاد بالروايات والأدعية وسط البحث والتي تتناسب مع مناخات البحث الوعظية وما تضمنه البحث من قصص وأمثلة حية والإشارة الى مصادر إثراء لموضوع البحث  ومناقشة العلاقة بين العقل النظري والعقل العملي وما يتولّد من ذهنية لسقوط في خط واقع الجهل الذي تعيشه الأمة.

وتابعت الأصبوحة الحسينية محطاتها بالوقوف على باب المحاضرة الرابعة  " كربلاء رحلة السالكين " بورقة نقدية رائعة ودقيقة  استهلت وقفتها على العنوان الذي يٌصدِر الإيحاء بالعرفان والسلوك بينما يعالج موضوع البحث جنبة عقائدية هامة بالخصوص لفئة الشباب  وبطريقة عقلية منظمة ، ووقفت القراءة على صراع الوقت الذي حرم من التوسع في مدلولات الآية الشريفة ومعاني كلماتها لما للبحث من عمق عالج فيه الشيخ الحسام نظرية عقلية هامة وهي نظام الوسائط .

" تحصين الروح الإيمانية مسؤولية من ؟  " عنوان المحاضرة السادسة وجاءت الورقة النقدية لها لتناقش ما تناوله البحث من تفسير للأية الشريفة التي أفتٌتِح بها الحديث والتي وقفت عند أنماط التدين وتقسيماتها وما تم التوجيه إليه في المحور الثاني من الموارد الإيمانية ومحاسبة النفس كما واقترحت القراءة ربط البحث بشخص صاحب الذكرى لما له من وقع في نفوس المستمعين والتأثير عليهم .

وفي المحطة التالية كانت الورقة النقدية تناقش محاضرة الليلة السابعة " صناعة القادة الإلهيين " والتي وقفت في قراءتها على جمالية العنوان وبيان ما له من موفقّية ولفت للانتباه وإشادة بالاقتدار للشيخ الحسام في إدارة البحث واستخلاص النتائج من الآية الشريفة لمعالجة محاور البحث وما كان للإشارات الفقهية من أثر في موضوع البحث .

المحطة الأخيرة  في أصبوحتنا الحسينية كانت ختام المسك مع المحاضرة الثامنة " فقه العلاقات الاجتماعية " والتي قدمت في قراءتها الإشادة بلغة البحث البسيطة والواضحة وجمالية العرض بما تضمنه من وضوح الأهداف والفهم العميق لفلسفة الدين وأثرها في الالتزام بالأحكام الدينية وكيف أن مشكلتنا مع حركة الفكر في كيفية  صياغته لنظرية الحياة القائمة على الفكر الديني ليتسنى بناء الحضارة الإسلامية .

وأُقرّت اللجنة إقامة جلسات إضافية مخصصة للاستشارات العاشورائية القادمة، بهدف مضاعفة خدمة المنبر الحسيني وصياغة طرح متقن ومحكم يواصل المحافظة على وحدة الصف ويعزز اللحمة المجتمعية، ويرفع الوعي المعرفي والروحي والوجداني من خلال تسليط الضوء على الموضوعات الهادفة الممنهجة المؤثرة ويحقق الرسالة التي يتبّناها سماحة الشيخ حفظه الله تعالى وهي ضرورة الابتعاد عن أي إثارات أو مواضيع قد تحمل انعكاسات سلبية على وحدة الكلمة والولاء، والتركيز على الخطاب الجامع الذي يعزز وعي الانتماء إلى مدرسة أهل البيت عليهم السلام .

واختُتم اللقاء بالدعاء بالتوفيق والسداد لجميع الخَدَمة والعاملين في الميدان الحسيني، وأن يوفّقهم الله تعالى لمواصلة العطاء في سبيل إحياء أمر أهل البيت عليهم السلام، سائرين على نهج الإمام الحسين عليه السلام في الإصلاح والوحدة وتسديد الإمام الحجة عليه السلام.

الجمعة، 27 يونيو 2025

ابن شبيب صاحب لوعة المحرم

🏴 يا ابن شبيب 🏴

 اسم يتردد دوماً في أول ليلة ٍ ويومٍ من محرم الحرام. 


وارتبط اسمه بالدمعة الحارة على الحسين (ع) لأن الرواية الرضوية كانت زيارةً من ابن شبيب للرضا (ع) في أول يومٍ من محرمٍ فابتدء الإمام الرضا (ع) بطرح السؤال على الريّان بن شبيب هل هو صائم في ذلك اليوم.... 


فمن هو ابن شبيب ؟

تعريفه : 

الرَّيَّان بن شَبِيب، أحد رواة الشيعة ومن أصحاب الإمام الرضا(ع) والإمام الجواد(ع). نقل ابن شبيب حديثاً عن الإمام الرضاعليه السلام حول شهر محرم الحرام، وواقعة كربلاء وثواب البكاء على الإمام الحسين عليه السلام والعزاء عليه.


وقد اشتهر هذا الحديث بـحديث الرَّيَّان بن شَبيب، ونصُّ الحديث كالتالي: في عيون أخبار الرضا (ع)، وأمالي الصدوق: ماجيلويه، عن علي، عن أبيه، عن الريان بن شبيب قال:


دخلت على الرضا عليه السلام في أول يوم من المحرم فقال لي: يا ابن شبيب أصائم أنت؟


فقلت: لا فقال: إن هذا اليوم الذي دعا فيه زكريا عليه السلام ربه عز وجل فقال: " رب هب لي من لدنك ذرية طيبة إنك سميع الدعاء " فاستجاب الله له، وأمر الملائكة فنادت زكريا " وهو قائم يصلي في المحراب أن الله يبشرك بيحيى "


فمن صام هذا اليوم ثم دعا الله عز وجل استجاب الله له كما استجاب لزكريا عليه السلام.


▫️ثم قال: يا ابن شبيب إن المحرم هو الشهر الذي كان أهل الجاهلية فيما مضى يحرمون فيه الظلم والقتال لحرمته، فما عرفت هذه الأمة حرمة شهرها و لا حرمة نبيها صلوات الله عليه وآله، لقد قتلوا في هذا الشهر ذريته وسبوا نساءه وانتهبوا ثقلة فلا غفر الله لهم ذلك أبدا ".


▫️يا ابن شبيب إن كنت باكيا " لشئ فابك للحسين بن علي بن أبي طالب عليهما السلام فإنه ذبح كما يذبح الكبش وقتل معه من أهل بيته ثمانية عشر رجلا ما لهم في الأرض شبيه ولقد بكت السماوات السبع والأرضون لقتله، ولقد نزل إلى الأرض من الملائكة أربعة آلاف لنصره فوجدوه قد قتل فهم عند قبره شعث غبر إلى أن يقوم القائم فيكونون من أنصاره وشعارهم يا لثارات الحسين.


▫️يا ابن شبيب لقد حدثني أبي، عن أبيه، عن جده عليه السلام أنه لما قتل جدي الحسين صلوات الله عليه أمطرت السماء دما " وترابا " أحمر.


▫️يا ابن شبيب إن بكيت على الحسين عليه السلام حتى تصير دموعك على خديك غفر الله لك كل ذنب أذنبته صغيرا " كان أو كبيرا " قليلا " كان أو كثيرا ".

يا ابن شبيب إن سرك أن تلقى الله عز وجل ولا ذنب عليك فزر الحسين عليه السلام.


▫️يا ابن شبيب إن سرك أن تسكن الغرف المبنية في الجنة مع النبي وآله صلوات الله عليهم فالعن قتلة الحسين عليه السلام.


▫️يا ابن شبيب إن سرك أن يكون لك من الثواب مثل ما لمن استشهد مع الحسين عليه السلام فقل متى ما ذكرته: يا ليتني كنت معهم فأفوز فوزا " عظيما ".


▫️يا ابن شبيب إن سرك أن تكون معنا في الدرجات العلى من الجنان فاحزن لحزننا، وافرح لفرحنا وعليك بولايتنا، فلو أن رجلا " تولى حجرا " لحشره الله معه يوم القيامة . ( عيون الأخبار ج 1 ص 299 وأمالي الصدوق ص 129. )


🔅 فمن هو الريّان بن شبيب ؟


ذكره النجاشي، بأنَّ ابن شبيب خال المعتصم أحد خلفاء بني العباس، حيث كانت أخت ابن شبيب ماردة من جواري هارون وهي والدة المعتصم.


 وقال المسعودي في كتابه إثبات الوصية أنَّ ابن شبيب هو خال المأمون لا المعتصم.


🔸سكن ابن شبيب في مدينة قم، ونقلوا القُمِّيُّون عنه روايات متعددة. ونقل ريان بن شبيب عدة روايات عن الإمام الرضا(ع)، وقد جمع مسائل الصباح بن نصر الهندي وهي مسائل كثيرة سألها الإمام الرضا عليه السلام.


وقد نقل الرواية عن ابن شبيب إبراهيم بن هاشم القمي والد علي بن إبراهيم القمي صاحب كتاب تفسير القمي.


وروى ابن شبيب الأحاديث عن يونس بن عبدالرحمن.


🔸وبحسب ما ذكره الكِشِّي، كان لرَّيَّان بن شبيب ولدا، وطُلب من الإمام الرضا عليه السلام أن يدعوا للرَّيَّان وولده، فدعا الإمام للرَّيَّان نفسه ثلاث مرات، لكن رفض أن يدعوا لولده في كل مرة من هذه المرات الثلاث لأن ولده لم يكن من أهل الإيمان. ونص الرواية ذكره ابن داود فيمن لم يرو عنهم (ع) واعترض عليه بأنه قد روى عنهم ومر في خيران الخادم أن الريان بن شبيب قال له: إن وصلت إلى أبي جعفر - الجواد- (ع) فقل له : مولاك الريان بن شبيب يقرأ عليك السلام ويسألك الدعاء له ولولده فدعا له ولم يدع لولده.


🔹وله قصة مؤثرة مع الإمام الرضا (ع) أيضاً حيث يرويها القمي عن الريّان نفسه فعن علي بن إبراهيم بن هاشم، قال:


 حدثني الريان ابن الصلت قال: لما أردت الخروج إلى العراق عزمت على توديع الرضا عليه السلام وقلت في نفسي: إذا ودعته سألته قميصا " من ثياب جسده الشريف، لأكفن فيه، ودراهم من ماله الحلال الطيب، لأصوغ لبناتي منها خواتيم.

فلما ودعته شغلني البكاء والأسى على مفارقته عن مساءلته، فلما خرجت من بين يديه صاح بي:


 " يا ريان، ارجع " فرجعت، فقال لي:

" أما تحب أن أدفع إليك قميصا "

 من ثياب جسدي تكفن فيه إذا فني أجلك أو ما تحب أن أدفع إليك دراهم تصوغ منها لبناتك خواتيم؟ "


فقلت: يا سيدي قد كان في نفسي أن أسألك ذلك، فمنعني الغم لفراقك.


فرفع عليه السلام الوسادة وأخرج قميصا، فدفعه إلي، ورفع جانب المصلى فأخرج دراهم، فدفعها إلي، وكانت ثلاثين درهما .

________

  1.  الشيخ الصدوق، الأمالي، ص192؛ الشيخ الصدوق، عيون أخبار الرضا، ج2، ص268.
  2.  النجاشي، رجال النجاشي (فهرس أسماء مصنفي الشيعة)، ص165.
  3. النجاشي، رجال النجاشي (فهرس أسماء مصنفي الشيعة)، ص165؛ الشيخ الصدوق، عيون أخبار الرضا، ج1، ص265.
  4.  المسعودي، إثبات الوصية، ص223.
  5.  النجاشي، رجال النجاشي (فهرس أسماء مصنفي الشيعة)، ص165.
  6. الخوئي، معجم رجال الحديث وتفصيل طبقات الرواة، ج8، ص217.
  7. الخوئي، معجم رجال الحديث وتفصيل طبقات الرواة، ج8، ص217.
  8.  الشيخ الطوسي، اختيار معرفة الرجال (المعروف برجال الكشي)، ج1، ص609.
  9. الثاقب في المناقب - ابن حمزة الطوسي - الصفحة 477.